أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى
471
إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري
وصفاته ، وهو من عطف التفسير ، لأن تجلي الصفات هو عين عظمة الذات وذلك أن الحق تعالى كان في أزله القديم متصفا بصفاته ومتسميا بأسمائه في خفاء ولطف لم يعرفه أحد ، فلما أراد أن يعرف أظهر بقدرته وإرادته عظمة ذاته المقدسة متصفا بصفاته الأزلية ، فتجلت القدرة لعظمة الذات ، فشهود عظمة الذات هو شهود تجلي الصفات ، وإليه أشار صاحب العينية بقوله : فأوصافه والاسم والأثر الذي * هو الكون عين الذات واللّه جامع فالتواضع الحقيقي : هو الذي ينشأ عن شهود عظمة الذات ونور الصفات ، فلذلك ترى العارفين يتواضعون مع الحجر والمدر وكل شيء لمعرفتهم في كل شيء . قال ذو النون المصري رضي اللّه تعالى عنه : من أراد التواضع فليوجه نفسه إلى عظمة اللّه ، فإنها تذوب وتصغر ، ومن نظر إلى سلطان اللّه تعالى ذهب عنه سلطان نفسه ، لأن النفوس كلها محقورة عند هيبته ، ومن أشرف التواضع ألا ينظر إلى نفسه دون اللّه تعالى انتهى . والحاصل : أن التواضع الحقيقي إنما هو للعارفين ، لأنهم حين شهدوا عظمة الحق خرجت عنهم أوصاف نفوسهم ، إذ لا يخرج عن الوصف إلا شهود الوصف كما ذكره بقوله : 241 - لا يخرجك عن الوصف إلا شهود الوصف . فلا يخرجك عن أوصاف نفسك الذميمة إلا شهود أوصاف ربك العظيمة ، فلا يخرجك عن دناءة نفسك إلا شهود كرم ربك ، فلا يخرجك عن شهود أوصافك الحادثة إلا شهود أوصاف ربك القديمة ، فيخرجك عن شهود فعلك بشهود فعله ، وعن شهود صفاتك بشهود صفاته ، وعن شهود ذاتك بشهود ذاته . وقد سئل شيخ أشياخنا القطب ابن مشيش عن حقيقة المحبة ؟ سأله تلميذه أبو الحسن رضي اللّه عنهما فقال : المحبة أخذ القلب وخطفه عند كشف نور الجمال وقدس الجلال . والشرب : مزج الأوصاف بالأوصاف ، والأخلاق بالأخلاق ، والأنوار بالأنوار ، والأسماء بالأسماء ، والنعوت بالنعوت ، والأفعال بالأفعال إلخ . فما دام العبد لم يشاهد أوصاف ربه العظيمة لا يمكنه أن يخرج عن أوصاف نفسه اللئيمة خروجا كليّا ، وإنما يكون ذلك مجاهدة تارة له ، وتارة عليه ، بين طلوع ونزول ، بخلاف ما إذا شاهد أوصاف ربه ، فإنه يغيب عن نفسه ، قد تولاه محبوبه فكان سمعه وبصره ويده ورجله ومؤيدا له ، فلا